السيد عبد الأعلى السبزواري
268
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بلفظ هو أشمل منه ، قال تعالى : وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [ سورة النجم ، الآية : 32 ] . الثامن : يدلّ قوله تعالى : قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى على كمال تحسّرها وتحزّنها عند وضعها الحمل أنثى ، وأن هذا الكلام صدر عن قلب كسير وفؤاد حزين ، ومع ذلك فقد دعت للمولودة بقولها ( واللّه أعلم بما وضعت ) ، وعظّمت وفخّمت شأنها ، حيث أدخلتها في علم اللّه تعالى ، وطلبت رعايتها منه عزّ وجلّ بقولها : « إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ » ، واعترفت بالعجز أمام قدرته سبحانه وتعالى ، وأن إرادته فوق إرادة البشر ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . التاسع : يستفاد من قوله تعالى : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ، أن التسمية كانت من حقوقها ، وليس لأحد غيرها هذا الحقّ ، فقد مات أبوها وهي حامل بها ، مع أنه يمكن أن يستفاد من تبادرها بالتسمية أنها كانت تعلم بها سابقا ، وأن لهذه المولودة شأنا كبيرا ، وفيها الصلاحية لخدمة البيت ، مضافا إلى أن التسمية من المخلوق الممكن ينفي شبهة الغلو في مريم العذراء . العاشر : يدلّ قوله تعالى : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ، على أنها طلبت بقاءها صحيحة لا تعترضها صوارف الدهر وعاديات الزمان ، حتى تكبر وتتحقّق امنيتها ، وهي الولد الذكر . وإنما قدّمت الاستعاذة وأدّت بالفعل المضارع ، للدلالة على استمرار الاستعاذة ودوامها والاهتمام بشأنها ، وبذلك لم يبق للشيطان فيها وفي ذرّيتها نصيب . والآية المباركة لا تدلّ بشيء من الدلالات على أن كلّ مولود يمسّه الشيطان إلا من عصمه اللّه تعالى ، وقد تكلّف جمهور المفسّرين في تأويل هذه الآية الشريفة بما لا محصل له ، مع أن ما ذكروه في المقام لا يصلح للاعتماد عليه ، فالآية ليست إلا في مقام الإرشاد إلى أن الإنسان لا بد له من الاستعاذة من عدو قد آلى على نفسه